بقلم : محمد الهادي حمدة
3 سبتمبر 2007
اشتغلت لجنة النظام الوطنية التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل خلال الفترة الراهنة بكثافة لافتة للانتباه ما أحيا لدى الرأي العام النقابي حيثيات التجريد أواخر السبعينات و أواسط الثمانينات. فبين تجميد النقابة الجهوية للتعليم الثانوي ببنزرت على خلفية رفضها للاتفاقية التي أبرمتها النقابة العامة مع وزارة التربية وبين حل النقابة الأساسية للصحة بباجة على خلفية دفاعها عن منظوريها و إرغام الطرف الإداري على التراجع مرورا بإحالة عضوي النقابة العامة للتعليم الأساسي محمد حليم و سليم غريس مع إيقاف المرتب للأول والإحالة على مجلس التأديب للثاني و إحالة العشرات من النقابيين من جهات تونس ( بينهم الكاتب العام المساعد لجامعة البنوك و التأمين الرفيق الشاذلي فارح ) و بن عروس و قفصة و القصرين و أخيرا إلغاء العمل بالتفرغ النقابي لكل من السادة الطيب بوعايشة عضو النقابة العامة للتعليم الثانوي و فرج الشباح عضو النقابة الجهوية للتعليم الثانوي بتونس و حفيظ حفيظ عضو النقابة العامة للتعليم الأساسي بالنظر لهذه الحصيلة الثقيلة نسبيا تبدو المركزية النقابية غير مكترثة بالتداعيات السلبية لهذا التمشي في ضوء الاستحقاقات التي تنتظر الاتحاد لعل أبرزها نتائج أحادية تصرف الطرف الإداري في حركة نقل المعلمين و المديرين وأوضاع المساعدين البيداغوجيين بعد إضراب 29 ماي الماضي و ظرفية حمل النقابة العامة للتعليم الأساسي على قبول ما كان القطاع رفضه سابقا ( اتفاقية 8أوت الماضي ) بالنسبة للتعليم الأساسي و عدم تشريك الطرف النقابي فيما قامت به الوزارة من تحويرات بالنسبة للتعليم الثانوي و الإجراءات أحادية الجانب فيما يتعلق بالتعليم العالي. و في سياق متصل تطرح لدى المراقبين لتطورات الساحة النقابية و وسط الرأي العام النقابي و الوطني عموما تساؤلات مشروعة حول الأهداف الحقيقية للتوجه العقابي لأغلبية المركزية النقابية . فهل هو انتقام و تصفية حسابات مؤتمر المنستير ؟ شخصيا لا أعتقد في ذلك لأنه لا الدائرة المتسعة للعقاب و لا الخلفيات الفكرية و السياسية للضحايا(موجودون في المنظمة قبل المؤتمر ) و لا جدوى ووظيفية فكرة الانتقام نفسها في المجرى العام للصراع برهاناته و تعقيداته تسمح بتفسير التوجه العقابي و إنما العين على المستقبل القريب و البعيد و هو مربط الفرس.
لا شك أن أبرز ما خرج به تيار الاستقلالية على تشتته و انقسامه و تفاوت فهم مكوناته لطبيعة المرحلة هو محتوى الفصل العاشر من القانون الأساسي للمنظمة والذي استند إلى تحول مهم في تطور علاقات القوة داخل المنظمة و القاضي بوضع حد نهائي للفريق النقابي الذي تربع على عرش قيادة المنظمة طيلة ما يقرب من عقدين هما في حقيقة الأمر عمر الفريق الحاكم الجديد بعد تفكيك و إعادة تركيب المنظمة وفق منهجية المفاوضات الاجتماعية كإطار لإدارة معركة رأس المال و العمل مع القبول بالاستتباعات الاجتماعية للانخراط في الشراكة و منظمة التجارة العالمية بالشروط الاقتصادية و المالية و النقدية القائمة.و على قاعدة وصول الاختيارات الاقتصادية القائمة إلى بداية الطريق المسدود و بروز المسألة الاجتماعية بكافة محاورها و تعمق حالة الاحتقان الاجتماعي الصامت و تنامي نفوذ المعارضة الاجتماعية و السياسية و بدء تبلور حالة الفرز السياسي ـ الاجتماعي و تموضع البلاد ضمن محيط إقليمي و دولي اعترته العديد من التحولات بدأت الهواجس المشتركة في الاستمرار و البقاء تستيقظ و لعل أبرز المواعيد التي تسنّ لها الخيارات والاستراتيجيات و التمشّيات و حشد الدعم والولاء هو موعد 2009 ويتم بمقتضى ذلك تحديد الخطوات والمعابر و المنعرجات و الخطوط الملتوية التي سينتهجها مختلف الفاعلين السياسيين و الاجتماعيين لتحقيق الأهداف المرجوة.و تنزيلا للموقف التحليلي النضالي في السياق النقابي الراهن تمثل الجولة القادمة من المفاوضات الاجتماعية أهم محطة لاختبار ثبات التحول في تطور علاقات القوة صلب المنظمة الشغيلة من جهة (يصب التوجه العقابي بالأساس للتدخل الجراحي من أجل تعديل تطور علاقات القوة ) و فرصة لتثبيت المواقع و تركيز النفوذ و دعم الشرعية و ضخ المزيد من عناصر القوة المادية و المعنوية في مسعى للعودة لما قبل المؤتمر و الحؤول دون توحد الخصوم و انتقالهم من موقع رد الفعل إلى الفعل المخطط و الهادف نحو مزيد مراكمة المكاسب و توسيع النفوذ و استقطاب المزيد من العناصر التي كانت مستنكفة من الصراع وإدماج مجموعات جديدة في المعترك النضالي وهي حسب ما نرى مقدمة ضرورية للبناء و المراكمة الكمية والنوعية قصد تهيئة الظروف الذاتية و الموضوعية للمرور للمرحلة الموالية و الحاسمة (مرحلة الإعداد لسيناريوهات تبادل سبل الاستمرار و البقاء بأكثر ما يمكن من المكاسب و بأقل ما يمكن من التنازلات ) والمحكومة بالعديد من الاكراهات و الضغوطات و تلعب فيها تبعا لذلك الخبرة و القراءة الدقيقة للتحول ورصد تطور الساحة بالإضافة للإمكانيات المادية دورا مهما في حسم الصراع في هذا الاتجاه أو ذاك . هكذا هي ديناميكية المجموعات المتصارعة على السلطة و المكانة و الدور و الوظيفة داخل المنظومة الأوسع كإطار جامع للصراع في إطار الوحدة سواء تعلق الأمر بالاتحاد العام التونسي للشغل أو بالحياة الوطنية عموما. إلا أنه بمقدار ما نلمس القدرة الفائقة على العمل المنظم و الهادىء و البعيد عن التشنج و القادر على التقاط و قراءة الإشارات و الرسائل لدى القيادة النقابية الماسكة بزمام الأمر نلحظ في الجهة المقابلة استمرار الانقسام و التشتت و غياب التنسيق و التعاطي من موقع رد الفعل إلا فيما ندر(بنزرت و قفصة) و الحال أن العديد من شروط و إمكانيات تعظيم القدرة على امتلاك المستقبل تضعها حركة تاريخ بلادنا الراهن تحت تصرف تيار الاستقلالية لعل أبرزها الاستناد إلى فكرة الحرية في النضال و الإصرار على موقف عدم القابلية للاختراق و الإفساد و الاحتكام للنظام الداخلي و القانون الأساسي للمنظمة.فهل يعي تيار الاستقلالية رسالته التاريخية ؟ هذا ما ستجيب عنه الشهور القادمة و للحديث بقية .
محمد الهادي حمدة
الفضاء النقابي الديمقراطي "ضد التجريد" عدد 9 - 5 سبتمبر 2007 السنة الأولى

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire