comteur de nos visiteurs

samedi 27 octobre 2007

الجامعي والتمديد في سن التقاعد : الإقصاء على الهوية



يغادرنا في مفتتح هذه السنة الجامعية الأستاذان الجامعيان أحمد إبراهيم والطاهر الهمامي اللذان رفضت وزارة الإشراف التمديد لهما في سن التقاعد فيما يشبه العزل المقنع...إليهما مربيين و مناضلين و صديقين أهدي هذه الكلمات.

إنّ الإحالة على التقاعد إجراء معقول مقبول عند حلول أوانه وكثيرا ما ينتظر بفارغ الصبر بعد طول الخدمة لثقل الكلفة وفتور الهمّة.
ليس التمديد من حقّ الموظّف وإن كان له أن يطالب به أحيانا أو أن يرفضه. لكن من حقّ المواطن أن يعامل كما يعامل غيره في حدود ما يسمح به القانون والعرف والأخلاق. بل من واجبه، واجب المواطنة في المجتمع المدنيّ، أن يراقب ما يجري ويشكر من يعدل ويتصدّى لكلّ من يتجاوز المبادئ والأصول التي بنيت عليها الدولة وأقيمت الجمهوريّة. وأهمّ هذه المبادئ عدم الانفراد لا بالسلطة ولا بالرأي ولا بأخذ القرار، في جميع الأمور ومنها التمديد في سن التقاعد
. فليست الدولة راعيا يسوق الغنم يمدّد أعمارها ويقصّر على هواه، كما كان البايات والدايات والمماليك والسلاطين
يسوقون الشعوب إلى الأسواق تباع كالعبيد في الأصفاد، بل الدولة، دولتنا، دولة المؤسّسات.. إنها ليست ذاتا مادية بعينها ولا مؤسّسة بعينها تستغني عمن تريد وتحتفظ بمن تريد، بل الموظّفون كلّ الموظفين رجالها المكوّنون لمؤسّساتها الساهرون على بنائها في خدمة المصلحة العامة. فليس الجالس على الكرسيّ خلف مكتب الإدارة والمكلّف بالإمضاء على الواردات والصادرات حاكما بأمره ولا حاكما بأمر الله، بل هو ممثل للمؤسّسة المركّبة من أعوانه المعينين له المساعدين على تقسيم العمل وتوجيهه والتخطيط له والسير به نحو الأهداف والغايات العائدة بالخير على الجميع. وذلك في سائر الأحوال بلا استثناء كبيرها وصغيرها على حدّ سواء، بل هو في صغير الأمور أوكد لأنّ الصغائر إنّما هي مكوّنات العظائم وأساسها التي تبنى عليها. فكما أنّ المؤسّسات تكون بالأفراد، فان المؤسّسات تكون بالمؤسّسات، بعضها فوق بعض، ولكل مسيّر مشرف، وعلى كلّ مشرف مؤسّسة تشرف عليه، والحكم في النهاية للشعب واضح النصوص المتحكّمة في الأفراد والمؤسّسات. وهذا هو المقصود بدولة القانون. فليس التمديد من مشمولات الأشخاص أوبعض الأفراد مهما علا مركزهم، بل هو كالتوظيف من مشمولات المؤسّسات المسيّرة بالقوانين والمكوّن بعضها لبعض، وما الممضون على الأوراق في مختلف المراحل إلا أعوان الدولة الساهرون على حسن تنفيذ ما ترتئيه المؤسّسات.
إنّ الجامعيّ وإن كان ككلّ أعوان الدولة فردا وموظفا تابعا لإحدى المؤسسات التعليميّة، فإنّه ككلّ أعوان الدولة
يختصّ في مهنته بخصائص مميّزة. ومن أهمّ خصائصه الناتجة عن كونه صنفا معيّنا من الموظفين السامين أنه بفضل درجته في قيمة المسيّر لمؤسّسة من مؤسّسات الدولة. إن الفرد الجامعي مؤسّسة تعليمية ومؤسّسة في البحث إذا كان مجرّد مساعد، فكيف إذا كان أستاذا محاضرا أو أستاذ تعليم عال يسيّر فرق التدريس وفرق البحث ويشرف على وحدات أو مخابر أو لجان علميّة ذات صبغة إداريّة. إنّنا نرجو ألا يكون بعض الجالسين على المقاعد خلف المكاتب أفرادا ينسون أنّ هؤلاء الأساتذة الذين لا يمكنهم بحكم طبيعة مهنتهم إلا أن يكونوا أناسا متواضعين والذين لا يمكنهم بحكم عددهم وفقر دولتهم أن يتمتّعوا بالمقاعد الوثيرة والمكاتب الجاهزة والسيارات الحكوميّة المرقمّة إنّما هم مؤسّسات كاملة ينبغي التثبّت في مهمّاتهم قبل أخذ القرار في شأنهم. فمن عجيب الجالسين على الكراسي أنّهم قد يتفطنّون إلى ما تخسره الدولة بترك سيارة أو جرّار يمكن استبدالهما بنظيريهما في الحال ولا يتفطّنون لشدّة ضعفهم في الحساب أنّ صنع جامعيّ متوسّط الحال يكلّف الدولة في أبسط الأحوال الإنفاق ربع قرن على مئات الأفراد لصنع جامعيّ واحد من بينهم وأنهّا تنفق على هذا الجامعيّ سنوات أخرى ليصبح مدرّسا باحثا، وأنّه عليها عند إحالة بعضهم إلى التقاعد أن تنتظر ما يقارب ربع قرن آخر لتعويضه، وهي المدّة التي يقضيها الشاب المنتدب عوضا عنه ليصبح جامعيّا حقيقيّا. لكنّ مثل هذا الحساب البسيط اللائق بالأقسام الابتدائية أكبر من أن يفهمه الفنيّون في الواردات والصادرات من الأوراق.ممن لا يعنيهم المحافظة على خبراتنا
إنّ الخبرة العالية لا تقيّمها إلا الخبرة العالية. لذا أقامت الشعوب الراقية تعليمها في العموم وتعليمها العالي
بالخصوص على اللجان والمجالس. وعنهم أخذ المشرّع النبيه هذه التقاليد وسنّ لها النصوص لحفظها. فإلى اللجان والمجالس يرجع القول الفصل في الارتقاء والإثبات والتمديد. والعجيب في أمرنا أنّ الشائع بين الناس أنّها تقاليد ديمقراطية. والحقيقة أنّ العلم لا يعترف بهذه المفاهيم السياسيّة. فتظافر الخبرات غايته إصابة الحقيقة قبل كلّ شيء. فليست مجالس الأقسام مسؤولة عن تقييم أفرادها بعضهم بعضا لأنّها مجالس شعبيّة بل لأنّ النظير هو الوحيد القادر في هذا المستوى الرفيع على تقييم النظير. وليستالمجالس العلميّة المتّخذة للقرار مجالس موضوعة في أصلها لمجرّد التمثيل بل هي مجالس موضوعة للتنسيق بين مقترحات الأقسام ومراقبتها على حسن تطبيق المعايير لتمدّ العميد أو المدير بالرأي الصائب حتى لا يمضي على الأوراق كما جاء واتفّق. وليست مجالس الجامعات كمجالس المستشارين وكبار النوّاب الممثّلين للشعب بل هي درجة أعلى في تقييم النظير، مهمّتها مراقبة المؤسّسات الممثّلة في مجالسها العلميّة للتنسيق بينها والتحقّق من حسن استعمالها للمعايير حتى يكون إمضاء الرئيس على إمضاء العميد مراقبا ومبرّرا ومعبّرا عن رأي المؤسّسة الكبرى في رأي المؤسّسة الصغرى. ولولا أنّ بعض مهامّ الجامعيّ تجاوز جامعته، لما وجدت هيئة أخرى لإبداء الرأي بعد تمام التقييم في مجالس الأقسام والمعاهد والكليّات والجامعات. إلا أنّ إدارة التعليم العالي هي التي تكلّف الجامعي بالمناظرات والامتحانات الوطنيّة، فلمصالحها أن تضيف رأيها إلى آراء المجالس، وليس لها أن تلغي آراء النظراء في نظرائهم لأنّ المصالح الإداريّة غير مؤهّلة للتقييم العلميّ والتربويّ. ولو كانت مؤهلّة لما احتاجت إلى الجامعيين في المناظرات. فمهمتها إثراء الملفّ بالمعلومات التي لا تتوفر للمجالس واللجان العلمية الجامعية. أمّا المؤسّسات المجاوزة لهذا المستوى فليس لها رأي في التقييم وليست مؤهلة علميّا ولا تربويّا له، فمهمّتها إداريّة ماليّة خالصة. وفي غير هذا فهي مؤسّسة عليها أن تحترم المؤسّسات والقوانين وان تراقب ما دونها من المؤسّسات حتى لا تزيغ.
ولكن هل يحقّ لمؤسّسة جامعية بما في ذلك الإدارة المركزية المتمثلة في وزارة الإشراف والتي تجمع لديها وتحصر
سلطات التقريروالبت النهائي في جميع المسائل الوظيفية الإدارية أن تدخل في الاعتبار معايير أخرى غير المعايير العلميّة والتربويّة فتصبح الإحالة على التقاعد نوعا من العزل في غير الصيغ القانونية أو نوعا من التشفي السياسي في غير ميدان السياسة وبغلاف " قانوني "، قطعا لا. وليس ذلك لأجل الحرّيات السياسيّة أو دفاعا عن المجلس الذي يرجع إليه وحده حق التأديب. بل لسببين بسيطين : أوّلهما أنّ المقرر الإداري المؤدّي إلى فصل الموظّف باب آخر مستقل، وله تدابير خاصّة ينص عليها النظام العام لأعوان الدولة. والثاني أنّ مهمّة المدرّس الباحث غير سياسيّة. فإذا كانت له أنشطة سياسيّة مقلقة لبعض الأطراف، فأحد أمرين إمّا أنّها تعرقل مهمته العلميّة والتربويّة وفي هذه الحالة يكفي أن تطبّق المعايير العلميّة والتربويّة لحرمانه ممّا يريد، وأن يقع التشدّد في مراقبة المجالس وحسن سير عملها، وإمّا أنّها لا تعرقل المهمّة العلميّة التربويّة، وفي هذه الحالة لا نرى وجه الخطر إن وجد حقّا خطر. هذا في ما يخص وظيفته داخل الجامعة أما خارجها فانه يتحول إلى مواطن كسائر المواطنين يتمتع بحقوقه كاملة بالطرق والشروط المبينة بالقانون ولا يحد من هذه الحقوق إلا بقانون ومنها حقه في التعبير والانتماء السياسي و لا يجوز لأي كان أن يخلط بين الصفتين( الجامعي والمواطن) فيعاقب الأول لأجل الحقوق التي مارسها الثاني عقابا هو أشبه بالإقصاء على الهوية . لكن يبدو أنّ بعض السياسيين الهواة لدينا لا يعرفون الجامعة، وهم أجهل من أن يدركوا أن الجامعيّ إذا تطرّق إلى السياسة في القسم فقد أعلن فشله العلميّ وضعفه التربوي.
عبد السلام الككلي
الكاتب العام للنقابة الأساسية لكلية الآداب بمنوبة


الفضاء النقابي الديمقراطي "ضد التجريد" عدد 19 - بتاريخ 15 سبتمبر 2007 - السنة الأولى

Aucun commentaire:

الفضاء النقابي الديمقراطي ضدّ التجريد

الفضاء النقابي الديمقراطي ضدّ التجريد صلب الإتحاد العام التونسي للشغل

 CONTRE_TAJRID